ابن عربي

138

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

تبرح حتى تقوم عليّ ، فإني ميت الآن . فمات وقام عليه حتى واراه . ثم انصرف وتبعه صالح حتى وطئا بعض أرض العرب ، فعدّوا عليها ، فاختطفتهما سيارة من بعض لعرب ، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران . وأهل نجران يومئذ على دين العرب ، يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم ، لها عيد كل سنة ، إذا كان ذلك العيد ، علّقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه ، وحلّي النساء ، ثم خرجوا إليها ، فعكفوا عليها يوما . فابتاع فيميون رجل من أشرافهم . وابتاع صالحا آخر . فكان فيميون إذا قام من الليل في بيته يصلي ، أسرج له البيت نورا حتى يصبح من غير مصباح ، فرأى ذلك سيده ، فأعجبه ما رأى منه ، فسأله عن دينه فأخبره ، وقال له فيميون : إنما أنتم في باطل ، إن هذه النخلة لا تضرّ ولا تنفع ، فلو دعوت عليها إلهي الذي أعبد أهلكها ، وهو اللّه وحده لا شريك له . فقال له سيده : فافعل ، فإنك إن فعلت دخلنا في دينك ، وتركنا ما نحن عليه . قال : فقام فيميون ، فتطهّر وصلى ركعتين ، ثم دعا اللّه عز وجل عليها ، فأرسل ريحا ، فجعفتها من أصلها فألقتها . فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه ، فحملهم على الشريعة من دين عيسى ابن مريم عليه السلام . قوله : فجعفتها قلعتها ، وقوله : عيل عوله ، يقال : عال الأمر إذا أثقل . وعليه قول الفرزدق : ترى الغرّ الجحاجح من قريش * إذا ما الأمر في الحدثان عالا فمعنى عيل عوله أي غلب غلبة ، وقهرت شدته وجلده . ومن وقائع بعض أصحاب شيخنا أبي مدين شعيب بن الحسن رضي اللّه عنه ما حدثنا به أبو محمد عبد اللّه ابن الأستاذ صاحبنا ، وهو من سادات القوم ، قال بعض المريدين : رأيت في واقعتي الشيخ أبا مدين ، والشيوخ قد أحدقوا به يسألونه عن المعرفة ، فقال لهم : إذا تلاشت المعرفة بالمعروف صحّت المعرفة ، ثم قالوا له : صف لنا سرّك ، فقال لهم : اسمعوا ولنفسي أسمع : يا سرّ سرّي وجهر جهري * يا نور نوري وحياة أمري يا قلب قلبي وبحر فكري * ومن به الفلك في البحر يجري فأنت تكسو * وأنت تعري قال عبد اللّه صاحب الواقعة : ثم أصابتني في واقعتي شبه السنّة ، فرأيت أبا مدين والأشياخ كما كانوا ، فقالوا له : زدنا ، فقال لهم : إنكم تحسبون أني أغيبه ، ثم سكت ، فإذا جملة من الديكة مجتمعون فتطاول واحد منهم وهو يبكي بحنين وتطويل ، فقال له أبو مدين : قل ، فنطق بلسان فصيح : إنكم تحسبون أني أغيبه ، المطبوع في البيت هو فيه ،